المقالات والسياسه والادب

من منا مازال حياً

الكاتبة إيمان نجار

من منا مازال حياً
كانَ كلُّ شيءٍ هادئًا من الخارج،
‏حتى إنَّ أحدًا لم ينتبه
‏أنَّ شيئًا ما كانَ ينهارُ بصمت.
‏في الجهةِ التي لا تصلُ إليها المرايا،
‏كانَ القلبُ قد خلعَ درعَهُ منذُ زمن،
‏وجلسَ بينَ أنقاضِه
‏يُحصي النبضاتِ التي نجا بها.
‏لم يعدْ قلبًا كما كان؛
‏صارَ غرفةَ عملياتٍ لا تنام،
‏كلّما التأمَ جرحٌ
‏اكتشفَ الأطباءُ جرحًا أقدمَ تحته.
‏و العقل،
‏كانَ أكثرَ قسوةً؛
‏يمشي ليلًا في الممراتِ الطويلة،
‏يحملُ مصباحًا باردًا
‏ويفتّشُ عن تفسيرٍ لكلِّ شيء،
‏ثم يعودُ قبلَ الفجر
‏بيدينِ فارغتين.
‏والأفكارُ…
‏كانتْ جنودًا بلا أوامر،
‏تدخلُ من جهةٍ
‏وتنسحبُ من أخرى،
‏تفتحُ المعاركَ نفسها
‏كلَّما حاولتُ إعلانَ الهدنة.
‏في رأسي
‏خريطةٌ قديمةٌ لمدينةٍ لم أعدْ أعرفُ كيفَ أعودُ إليها؛
‏كلُّ الطرقِ فيها تؤدّي إلى مكانٍ واحد،
‏يحملُ شيئًا كنتُ أظنُّ أنَّني تخلّصتُ منه.
‏حتى الذاكرةُ تغيّرت؛
‏لم تعدْ تحفظُ الأشياءَ كما حدثت،
‏بل كما تركتْ أثرَها.
‏تُخفي بعضَ التفاصيلِ تحتَ الركام،
‏ثم تُسقطُها عليَّ فجأةً
‏في أكثرِ الأوقاتِ التي أكونُ فيها
‏قد أقنعتُ نفسي أنَّني بخير.
‏والصمتُ،
‏ذلكَ الذي يظنُّهُ الناسُ راحة،
‏كانَ عندي أكثرَ الأسلحةِ فتكًا؛
‏فحينَ يصمتُ كلُّ شيء،
‏تبدأُ الأشياءُ التي هربتُ منها
‏بالحديث.
‏هناكَ ليلةٌ واحدةٌ
‏لا أعرفُ لماذا تعودُ دائمًا؛
‏لا شيءٌ استثنائيٌّ فيها،
‏ومع ذلك
‏كلّما أغمضتُ عينيَّ
‏وجدتُ نفسي واقفةً عندَ بابها.
‏كأنَّ شيئًا ما
‏لم يُغلقْ في ذلكَ اليوم.
‏ولهذا
‏ما زلتُ أتركُ نافذةً صغيرةً في داخلي مفتوحة؛
‏ليسَ للهواء،
‏ولا للنجاة،
‏بل لشيءٍ لا أعرفُ اسمه
‏يصرُّ على العودةِ كلّما هدأتِ الحرب.
‏وربّما لهذا أيضًا
‏لم أرفعْ الرايةَ البيضاء.
‏فبعضُ المعاركِ لا نريدُ أن ننتصرَ فيها،
‏لأنَّ انتصارَنا يعني
‏أن نعترفَ بأنَّ ما قاتلنا من أجله
‏لم يعدْ يستحقُّ كلَّ هذا الخراب.
‏وها أنا الآن،
‏أمشي بينَ أنقاضي بهدوء،
‏أُرمّمُ ما يراهُ الآخرون،
‏وأتركُ ما لا يراهُ أحدٌ
‏على حاله.
‏لأنَّ بعضَ الخراب
‏حينَ يصبحُ قديمًا بما يكفي،
‏يتحوّلُ إلى جزءٍ من الجسد…
‏وحينها،
‏لا يعودُ السؤالُ:
‏مَن انتصر؟
‏بل:مَن منّا
‏ما زالَ حيًّا بما يكفي
‏ليتذكّرَ لماذا بدأتِ الحرب؟

مقالات ذات صلة