من منا مازال حياً كانَ كلُّ شيءٍ هادئًا من الخارج، حتى إنَّ أحدًا لم ينتبه أنَّ شيئًا ما كانَ ينهارُ بصمت. في الجهةِ التي لا تصلُ إليها المرايا، كانَ القلبُ قد خلعَ درعَهُ منذُ زمن، وجلسَ بينَ أنقاضِه يُحصي النبضاتِ التي نجا بها. لم يعدْ قلبًا كما كان؛ صارَ غرفةَ عملياتٍ لا تنام، كلّما التأمَ جرحٌ اكتشفَ الأطباءُ جرحًا أقدمَ تحته. و العقل، كانَ أكثرَ قسوةً؛ يمشي ليلًا في الممراتِ الطويلة، يحملُ مصباحًا باردًا ويفتّشُ عن تفسيرٍ لكلِّ شيء، ثم يعودُ قبلَ الفجر بيدينِ فارغتين. والأفكارُ... كانتْ جنودًا بلا أوامر، تدخلُ من جهةٍ وتنسحبُ من أخرى، تفتحُ المعاركَ نفسها كلَّما حاولتُ إعلانَ الهدنة. في رأسي خريطةٌ قديمةٌ لمدينةٍ لم أعدْ أعرفُ كيفَ أعودُ إليها؛ كلُّ الطرقِ فيها تؤدّي إلى مكانٍ واحد، يحملُ شيئًا كنتُ أظنُّ أنَّني تخلّصتُ منه. حتى الذاكرةُ تغيّرت؛ لم تعدْ تحفظُ الأشياءَ كما حدثت، بل كما تركتْ أثرَها. تُخفي بعضَ التفاصيلِ تحتَ الركام، ثم تُسقطُها عليَّ فجأةً في أكثرِ الأوقاتِ التي أكونُ فيها قد أقنعتُ نفسي أنَّني بخير. والصمتُ، ذلكَ الذي يظنُّهُ الناسُ راحة، كانَ عندي أكثرَ الأسلحةِ فتكًا؛ فحينَ يصمتُ كلُّ شيء، تبدأُ الأشياءُ التي هربتُ منها بالحديث. هناكَ ليلةٌ واحدةٌ لا أعرفُ لماذا تعودُ دائمًا؛ لا شيءٌ استثنائيٌّ فيها، ومع ذلك كلّما أغمضتُ عينيَّ وجدتُ نفسي واقفةً عندَ بابها. كأنَّ شيئًا ما لم يُغلقْ في ذلكَ اليوم. ولهذا ما زلتُ أتركُ نافذةً صغيرةً في داخلي مفتوحة؛ ليسَ للهواء، ولا للنجاة، بل لشيءٍ لا أعرفُ اسمه يصرُّ على العودةِ كلّما هدأتِ الحرب. وربّما لهذا أيضًا لم أرفعْ الرايةَ البيضاء. فبعضُ المعاركِ لا نريدُ أن ننتصرَ فيها، لأنَّ انتصارَنا يعني أن نعترفَ بأنَّ ما قاتلنا من أجله لم يعدْ يستحقُّ كلَّ هذا الخراب. وها أنا الآن، أمشي بينَ أنقاضي بهدوء، أُرمّمُ ما يراهُ الآخرون، وأتركُ ما لا يراهُ أحدٌ على حاله. لأنَّ بعضَ الخراب حينَ يصبحُ قديمًا بما يكفي، يتحوّلُ إلى جزءٍ من الجسد... وحينها، لا يعودُ السؤالُ: مَن انتصر؟ بل:مَن منّا ما زالَ حيًّا بما يكفي ليتذكّرَ لماذا بدأتِ الحرب؟